رأس الحيرة – صالح لبريني

كل ما في الأمر أن رأسي ظل يطبخ طيلة اليوم، قلق يساورني وأنا أنظر من زجاج النافذة إلى الغيوم التي تغسل وجه المدينة هذا المساء، فحملني الحنين إلى بيتنا القيم هناك على سفح الجبل، حيث يطلّ على أفق تكسوه أشجار الزيتون والرمان ودوالي العنب ومختلف بنات الأشجار، في جو سبعيني كنّا نحن أطفال القرية نُصبح على المطر ونمسي عليه، وكثيرا ما تبتل ثيابنا البالية نتيجة عملية المقايضة بين الإخوة، حين كان العالم في عيوننا صغيرا، منحصرا في زقاق ممتد من أعلى إلى أسفل الجبال، كما تذكّرت مجامر النار التي تتفنن الأمهات في إشعاله بالحطب القادم من مروج فيحاء تغري بالمتعة والحسن والبهاء، وروائح أباريق البنّ تحيي أنوفنا المشتعلة برودة ومخاطا يتدلى من خياشيمنا السيّالة، كنا نتسابق حينها إلى حجور آبائنا وأمهاتنا الذين ينتظرون عودتنا من المدرسة، وقد امتلأت بطوننا جوعا، فنرتمي على خبز حرفي مع كأس بنّ نلتهم الخبز ونحتسي الفناجين بلهفة الظامئ لماء الله.

اللحظة أرتشف دخان سيجارتي وأرافقه بنظرات كئيبة، وأنا أتأمل عالمي اليوم، عالم يفتقد للأشياء الجميلة، والعوالم السحرية التي كنا ننام على وقع حكايات منسجوجة بخيط الحكي المضفور بحبكة الجدات والأمهات والأخوات، ثم أرشف رشفات من فنجاني الذي تعطل مذاقه مذ غادرت بيت العشيرة، لست أدري لمَ الإنسان كلما امتدت به الحياة في العمر، إلا وازداد ارتباطا بالأرض الأولى؟ هل الأمر متعلّق بفطرة الله في خلقه، أم ماذا؟ لا أعرف الحقيقة، والتي تظل نسبية في ظل هذه العزلة التي تجعلك أكثر التصاقا بوجودك.

المطر بعد منتصف الليل ركن إلى زاوية ما في سماء الله، هنا فقط صمت مطبق، وهدنة قائمة بيني وبين رأسي الذي تلبسه الحيرة ويد تمتد لتغلق نافذة البيت، وذاكرة تعود إلى الأرض، ومصباح حجرتي الذي أتلفت أعصابه من كثرة السهر طول نصف قرن الذي ما زلت أصارعه ببلاغة الحجاج.

مقالات ذات صلة