يوم تمّ اختياري “سانتا” أو “بابا نويل” العام – د. محمد الشرقاوي

تنزل بك الطائرة في مطار بروكسيل في صباح باكر يستميلك إلى عدم التفكير العميق. تقف في الصف بضع دقائق حتى يرمي إليك مسؤول الأمن في صندوقه الزجاجي بإيماءة الاقتراب. تتحرك من مكانك وتسلمّه جوازك. يقلّب صفحاته الواحدة بعد الأخرى، ثم تظهر على محيّاه نظرة ضجر وانفعال. فيقول: “أنت بحاجة لجواز سفر جديد!”. فتردّ عليه “سأفعل ذلك عند أول سفر إلى مقر إقامتي الدائمة..” لكن جوابه الموالي يأتي بنبرة غير ودّية: “حسب القانون، لا يمكنني وضع ختم فوق أختام سابقة”. تتريث قليلا قبل الخوض في سجال مستدام وأنت تسأل نفسك “هل الخطأ منّي إذا تزاحمت الأختام وامتلأت الصفحات أم هو شُح السلطات في تحديد عدد الصفحات في جواز من المفترض أن تدوم صلاحيته مدة عشر سنوات”!
يتبرّم الضابط بكلمات باللغة الفلامانية نحو زميله على الزاوية اليمنى من الصندوق الزجاجي الذي أصبح يبدو لك بمثابة “البرج العاجي”، وصاحبنا الضابط يعتد بمنطق القانون والإجراءات، ولا يتفهم وضعك وأنت المسافر المتعب جراء رحلة الساعات السبع الطويلة من قارة متباعدة. يتبادر في ذهنك مشهد الحيرة وقد تحوّلت إلى “مسافر بلا جواز” ستهيم على وجهك بين ردهات المطار  لأيام أو أسابيع على غرار قصة “المسافر بلا وطن” كما كابدها مواطن إيراني تفرّق تصنيفه القانوني بين إيران وفرنسا وإحدى الدول الاسكندنافية.
في ثوان معدودة، قرّرت ألا أزيد الطين بلة بجدال سفسطائي، وأنا لا أتحمّل وزر الأختام المتداخلة في الجواز. وهنا يصبح الصمتُ ليس مجرد حكمة فحسب، بل وأيضا استراتيجية الخطة فتضع الضابط أمام الأمر الواقع. ليس الموقف غريبا علي بعد أن عملت في مجال النزاعات طويلا، وأن أخرج من دائرة الفعل التي حاول وضعي فيها ضابط الأمن بسردية “حسب القانون..” ومن حيث لا يدري، أصبح صاحبنا في خانة رد الفعل، وأنا صاحب الفعل الذي لا يزيح عن موقفه عند بوابة بلد لا أحتاج لتأشيرة، بل مجرد ختم، لدخوله. كنت أنظر في عينيه دون حرج أو استضعاف الذات.
أعاد الضابط تصفح الصفحات والتركيز على أي زاوية قد تستوعب الختم المطلوب، وبعد فترة قصيرة، دوّى في مسمعي صوت الرافعة المستطيلة وقد هوت كالمطرقة على زاوية في إحدى صفحات الجواز وقدمه إلي دون تعليق. في هذه اللحظة، لم أنظر في عينيه بقدر ما نطقت في الهواء بكلمة واحدة “Thank you”.
خطوت إلى بهو استلام الحقائب، ولم تمرّ سوى ثوان معدودة حتى ترامت نظراتي إلى حقيبتي السوداء ذات الهوية المألوفة لدّي بآثار السقوط والارتطام وسوء المعاملة من قبل عمال المطارات في عدة عواصم. خرجت عبر بوابة الوصول وجلست إلى كرسي قرب مقهى قليل الزبائن. كنت أنتظر صديقا عزيزا أصرّ على استقبالي في المطار. وفي لحظة تساؤل عن تأخره في الوصول، أجدني أمام ثلاث فتيات وهن في بهجة العيد شكلا وروحا. وسرعان ما تم تتويجي بابا نويل اللحظة في مدينة تنسيك روحها الاحتفالية ما بدا من رجل أمن متخشب الطبع ثقيل الظل.

مقالات ذات صلة