قراءة في “كان لي قدر في الضاد يرفعني” للشاعر يحيى الشيخ – حليمة تلي

يحتفل يحيى الشيخ بعيد اللغة العربية، بإطلالة متميزة، تتمثل في قصيدة تتغنى، بعشقه الأبدي للغة الضاد.
استهلالٌ غزلي وبراعة في سبك المعاني، جعلا الشاعر ينتقل بنا بين القسم الأول والثاني بشكل عذب ورفيع.
تَلاحمُ المقدمة مع نص الموضوع، جذبنا لقراءة القصيدة مرات ومرات رغم احتوائها لسبعين بيت.
جمع كل شطر فيها الحركة، الاستعارة، المجاز والخلفية التاريخية والدينية، وكل النفائس في نسق متسلسل لخلق نص ممتع وبديع.
إن عتبة القصيدة الغزلية، أدخلتنا بذكاء إلى نص مبني على خطاب مُرْسَلٍ، يصل المُتَلَقي دون سابق استئذان.
لهذا نجده، دائما يحرص حرصا شديدا، في مجمل قصائده وإن لم نقل كلها على الاستهلال الغزلي، اقتداء بالشعراء العرب، الذين عودونا ولعقود كثيرة بالمقدمات الغزلية أو الطللية، المتبوعة بالعذاب والبكاء لاستعطاف القارىء.
نجح أسلافنا في هذا، وتركوا لنا تراثا ماتعا، ونجح شاعر المهجر يحيى الشيخ في اتباع هذا المنهح الذي يجيد صنعته بإتقان.
وبالتالي عشقه الجنوني للغة العربية، لايقل أبدا عن عشق قيس لليلى، أو عنترة بن شداد لعبلة، وغيرهما من فحول الشعر العربي. فالعشق فيه لوعة وعذاب، المحب للحبيب، وحبيبة الشاعر اليوم، هي لغة الذكر الحكيم والعلوم الإنسانية بكل أنواعها ولولاها لضاعت حضارات عريقة كثيرة.
وحتى نتمكن من رصد هذه المعناة وتسليط الضوء عليها، ينبغي الإشارة إلى مسيرة الشاعر النضالية المستميتة في هذا المجال، أملا في رفع الظلم عليها.فهي المستهدفة من طرف الأمازيغي والكردي وغيرهما من الانفصاليين الذين يصفقون للغة الغرب بدافع “العصرنة” والتقدم من جهة، وضمان المستقبل الزاهر في المجالات المهنية، لنسل استغنى عن اسمه العربي ليحمل آخر غربي من جهة أخرى. فضاعت الهوية وضاع كل شيء معها بين داندي وستيلا..
فيحيى الشيخ من الشخصيات القليلة التي تجاهد رغم كل العراقيل بغية إقحام اللغة العربية في المنظومة التعليمية بحكمه مدرسا لها في المدارس المهجرية. وسأعتمد
في توضيح هذا على النموذج الفرنسي بحيث تعد فرنسا مقر إقامته وساحة نضاله، وأولى دول أوروبا الغربية التي أدخلت العربية للبحث العلمي والعبرية للفهم الديني، في القرن السادس عشر على يد الملك فرنسوا الأول، الذي عرف بانفتاحه على الثقافات الأجنبية.
تم إدخال تدريس العربية رسميا إلى كوليج دو فرانس سنة 1530 ثم إلى المعهد الوطني للغات الشرقية الذي تم تاسيسه عام 1789.
وفي سنة 1906 ظهرت شهادة التبريز العربية وهي من أرقى الشهادات التعليمية، -ولقد كان لشاعرنا شرف نيل هذه الشهادة المتميزة وشهادات أخرى- وتلتها شهادة الأستاذية في الثمانينات.
ونظرا لما تختزنه لغة الضاد من ثراء حضاري وفكري وإنساني، فقد تهافت عليها كبار المختصين من المستشرقين، وبالتالي ميلاد كتب ذات أبعاد فكرية كبيرة.
ورغم قدم تدريسها في فرنسا إلا أنها وللأسف الشديد لا زالت تعاني من
عقبات سياسية ودينية لا علاقة لها بالعلم، لهذا لم يكتب لها النجاح. وهذا ما وضحه الشاعر في قصيدته بجماليات فنية تنقلنا من محطة إلى أخرى في رحلة شعرية ممتعة وحزينة معا، نتيجة وضعية مزرية واضمحلال لا يليق بقيمتها، لكونها لغة غير مرغوب فيها ودخيلة على النظام الأوروبي، وازداد هذا العداء وكبر بصعود اليمين المتطرف.
فتعليم العربية في الابتدائي والثانوي لا يسر القلوب، ولا يخضع للمؤسسة الفرنسية وإنما تؤطره معاهدات ثنائية أجرتها فرنسا مع المغرب وتونس والجزائر.
تَم عن طريقها إرسال مدرسين إلى دول المهجر. إلا أن هذا أثار استنكار بعض المعادين للعربية ممن طالبوا بإدراجها في المنظومة التعليمية الأهلية كباقي اللغات الحية احتراما للأوقات المخصصة للتدريس، حتى لا تتم خارج أوقات الدراسة.
أما تعليمها في ثانويات فرنسا فلا يبشر بالخير أيضا لأن الميزانية المخصصة لاستقطاب الأساتذة الأكفاء زهيدة، مما يصيب بالإحباط والنفور من هذا التخصص مع العلم بأهمية لغتنا في حياة أولادنا في بلاد المهجر.
وعلى ذكر الأساتذة، فلهم نصيبهم من المعاناة التي تحول دون أداء واجبهم على الوجه الأكمل.
إن انعدام خطط التدريس والتخبط الإيديولوجي والسياسي القاتلين والإساءة إلى التربية السليمة والبناءة ساعدوا بشكل كبير في استبعاد اللغة العربية.
ولقد أُثيرت هذه المشاكل بإسهاب في إحدى ملتقيات المركز تحت عنوان واقع الإسلام واللغة العربية في دول أوروبا الغربية. ولقد أحببت الربط بين القصيدة وهذا النشاط الثقافي حتى نفهم قمة عشق الشاعر لهذه اللغة ومعاناته من تهميشها وإقصائها من الساحة الفكرية، وما يبذله من جهد من أجل غد أفضل لها
وفي ظل كل هذه التراكمات، اتجه كثير من أبناء الجالية إلى الجمعيات والمساجد التي لعبت ولا زالت تلعب دورا مهما لا ينبغي الاستهانة به، ولقد أدى الشاعر دورا كبيرا في فتح مساجد ومدارس لتعليم اللغة العربية، وكَتَب مقالات كثيرة حول هذا الموضوع.
ورغم كل الإكراهات، سيظل على عهده وفيا لعشيقته يغني لها أنشودة الإنقاذ رغم أنف الأعادي والحساد حتى آخر لحظة في عمره حسب قوله:
“هذا النشيد سأبقى الدهر أنشده
والروح ترقص لما تهجر الجسدا”
وحتى لا يبعدني تاريخ اللغة العربية في المهجر عن القصيدة، وحتى لا أجازف أيضا بهذا الربط بين النشاط الثقافي والنص الشعري أريد أن ألخص هذا الإبداع فيما يلي:
قسم الشاعر بذكاء قصيدته الى أربعة أقسام:
-استهلال غزلي، يتقمص فيه قصة قيس لليلى ليكون قيس وتكون محبوبته اللغة العربية.
وقسم ثان تحدث فيه عن استحالة هذا الحب وديمومته لكثرة المصاعب.
وقسم ثالث اشار فيه إلى أعداء هذه العلاقة وهم الانفصاليون المنحدرون من رحم هذه الحضارة من أكراد وأصحاب النزعات الأمازيغية المتطرفة.
وقسم رابع تحدث فيه عن المتخاذلين من العرب الذين قادهم الاغتراب إلى التنكر لكل ما هو عربي.
ليختم قصيدته بمناجاة ابنته ليوصيها بالحفاظ على إرث العرب الثقافي حتى لا تتحول اللغة العربية إلى ذكرى أليمة يتناساها التاريخ فتندحر الهوية العربية.
ليكون بذلك جمع بين حسن الاستهلال الغزلي وبراعة الخاتمة.
بارك الله فيك وفي عذب نظمك.

مقالات ذات صلة