في رحاب الزاوية العلوية الشاذلية، الحلقة الثانية – مريم عرجون

أسأله: حدثني عن الزاوية العلوية التي يترأسها ويديرها السيد والدك محمد المنصور وأنت بالطبع، متى تأسست وماهي خلفية اختيار هذا الإسم؟
يجيب: تأسست الزاوية العلوية في أوائل الثمانينيات، وسميت بذلك نسبة للشيخ أحمد بن مصطفى العلوي (رضي الله عنه) المجدد في المشرب الشاذلي، فسند الزاوية مرتبط به مرورا بمشايخ هذه النسبة الدرقاوية الشاذلية المباركة إلى مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الشيخ -أي العلوي- سجلت برنامجا خاصا عن سيرته وحياته وبصماته التجديدية في التصوف، عشرون حلقة خاصة به، كنت قد استضفت في بعضها أربعة من العلماء الكبار ليتحدثوا عنه، وعرض البرنامج على قناة الإرث النبوي، وسميته “إمام السالكين”.
والزاوية العلوية كانت سباقة في التجديد الدعوي والتعريف بالتصوف الحق والذي هو نهج النبي صل الله عليه وسلم. وسّباقة لإقامة منبر للجمعة داخلها. فقد جرت عادة الزوايا أن تفتح أبوابها فقط للذكر والمذاكرة وذلك فقط في المواسم الدينية، كليلة الإسراء والمعراج والمولد النبوي الشريف وليلة القدر.
أما زاويتنا ففيها تقام الصلوات الخمس، وهي مفتوحة دائما لعوام الناس، وهي تحرص على الاجتماع بهم يومي الخميس والأحد ليلا من كل أسبوع من أجل الذكر والمذاكرة. فالتصوف ليس فقط روحانيات وإنما هو متابعة وسير، وارتقاء بالسلوك لمقام الإحسان.

أسأله: قدم لي نبذة عن أبيك المربي الفاضل محمد المنصور، وعن مجهوداته في رعاية النهج الصوفي؟
يجيب: والدي محمد المنصور هو النور الذي أرى به الطريق وشهادتي فيه مجروحة إن تحدثت. قضى أزيد من نصف قرن في الدعوة إلى الله، وتربية المريدين، وتأطير السالكين، على المشرب الشاذلي، المرتكز على الكتاب والسنة، وأصول طريق التصوف الصافي. ولهذا أسس الزاوية العلوية بالدار البيضاء، وفتح أبوابها في وجه المؤمنين عامة بمميزاتها التي أسلفنا ذكرها. جعل فيها إقامة الصلوات الخمس، وجعل فيها منبرا للجمعة يدافع من خلاله عن دين الله وطريق التصوف. فهو خطيبها منذ عقود. ولا يزال بفضل الله حريصا على نشر الخير وبث العلوم من خلال درسه الأسبوعي في الزاوية كل أحد، وفِي سائر المناسبات التي تنظمها.
وقد انتفع به واستفاد من علمه ومعارفه خلق كثير من داخل المغرب وخارجه، وما يزال بفضل الله الشباب يفدون على زاويته، لينهلوا من علمه ويلتمسوا من أنواره، بارك الله فيه وأطال عمره.
ولذلك يجد المرء في مجالس الزاوية رجالا رافقوه منذ أزيد من خمسين سنة وعاشوا معه مواقف وسياحات لعقود، وتجد شبابا في زهرة العمر انتسبوا له منذ سنوات، والكل اجتمعوا في حضرة الذكر والفكر ينهلون من العلوم، وينتعشون ببركات الصحبة، ويتنعمون بأنس الأخوة الخالصة لوجه الله.

أسأله: كما هو معلوم مقر الزاوية العلوية يوجد في أرقى مناطق الدار البيضاء، مما يعني أنه بعيد عن عموم الشعب البسيط. فهل يحضر دروسكم الفقراء والبسطاء أيضا. فكما تعلم ثمانية وعشرة دراهم ثمنا للمواصلات ذهابا وإيابا يعتبر مبلغا كبيرا لمن كانت قدراته المادية بسيطة؟
يجيب: ليتك لم تطرحي هذا السؤال يا سيدتي، لا لشيء ولكن لأني أجد هذا الموضوع فيه تمييزا بين الطبقات بمختلف الشرائح والإحراج لمقدرات الناس. والمسلم يتفادى ذلك قدر إمكانه. كل الطبقات موجودة تحضر دروسنا بحب كبير. وهذا الاختلاف ينتهي عند باب الزاوية ليدخل الجميع سواسية، لا فرق بين هذا وذاك إلا بالتقوى وحسن السلوك وتمام الأدب. ولذلك فنحن لا نطرح مثل هذه المواضيع. فقد لا يعرف الرجل نشاط وعمل الذي بجانبه في المجلس وهو يراه منذ سنين وعقود!! فلا تجمعنا إلاّ المحبة في الله والتعاون على السير إليه والتقرب منه.

أسأله: زدني من معاني شرح التصوف.
التصوف هو علم وعمل وسلوك وحال، غير أن السلوك يشرح والحال لا يشرح، فهو معايشة.
أما السلوك فيتجلى في اتخاذ شيخ مربي، رفقة صالحة، ذكر ومذاكرة، إنشاد وإرشاد، فكر وتدبر. وأما الحال فهو العلم الوحيد الذي لا يعرف له تعريف مجمع عليه، وهذا هو علم التصوف. لأن كل عارف بالله ومتصوف عرفه حسب معايشته وتصوره الداخلي. وقد قال أحدهم إن كمّ الطرق الموصلة إلى الله هي بعدد أنفاس الخلائق.
الفقيه المالكي أحمد زروق قال أن للتصوف 2000 تعريف، وكان ذلك في القرن التاسع، فما بالك باليوم.

أسأله: في نظرك ما السبب في عدم فهم نهج الصوفية غير تشعب شروحات حاله؟
يجيب : تصدر الدخلاء فيه والمظاهر الخطأ التي يروج لها البعض، والفهم الخاطىء الناتج عن قلة العلم والسؤال، ومن حارب التصوف هو في الأصل يحارب الأخلاق، وقد قال العارفون بالله من زاد عليك في الأخلاق فقد زاد عليك في التصوف.

أسأله: هناك من يخلط بين التصوف والزهد، وهما في الأصل أمران مختلفان، فحدثني عن معنى الزهد الحقيقي.
يجيب: الزهد في معناه هو عزوف النفس عن الدنيا وأعلى مراتبه هو أن تجعل الدنيا مطية للآخرة. لكن الزهد لا يكون لمن لا يملك شيئا، فكيف يكون المرء زاهدا وهو لم يملك الدنيا وتلذذ بها وخبر ما فيها من نعم.
إبراهيم بن آدهم كان ابن ملوك ومن أهل الجاه، لكنه عرف بشيخ الزهاد. وهذا زهده مصدوق، فقد زهد في الدنيا بعدما ملكها.

أسأله: ماهو السبيل لإعادة روابط العلاقة بين المغاربة وزواياهم؟ خاصة بعد المد الخارجي من إيدلوجيات جافة ومتشددة قلصت تعامل الناس مع زواياهم وهمشتها في نفوسهم، ناسين أنها كانت الحريصة دوما على الهوية الذاتية والعقائدية والفكرية، المحاربة سرا أيام الحماية من أجل عودة السيادة المغربية لأبنائها.
يجيب: لابد من حملة تجديدية في الحقل الصوفي تنعش الساحة الروحية وتجدد نظرة الشباب إلى التصوف وزواياه، وتصحح المفاهيم المغلوطة حول التصوف وممارسات أهله، وتبرئ الساحة الصوفية مما ألصقه بها المدعون المتطفلون والدخلاء. ثم لابد من خطاب يواكب العصر ويوازي الفكر السائد في أوساط الشباب ليناقَشوا بلغتهم ويعوا حقيقة الدين وجمال التصوف.
كل هذا مع مراعاة الثوابت، ومن غير تخل عن أساسيات الدين إرضاء لجهة هنا أو جهة هناك!! فهذه ظاهرة خطيرة ظهرت تحاول ركوب موجة التجديد في التصوف للوصول إلى مختلف الشرائح، ولكنها شوهت الدين وخرجت عن جوهره وميعت أحكامه.
لذلك نحن في حاجة لدعاة شباب -روحا- يدعون للتصوف الصافي من كل الشوائب بلغة عصرية وثوابت راسخة وفكر تنويري.

-يتبع-

مقالات ذات صلة