0032489777672 ahmedhadraoui@hotmail.com

مسيرة باريس الخضراء – أحمد حضراوي

جميلة تلك الحافلات التي انطلقت من مدن وبلدان أوروبية عدة -شاركتها لاشك وفود ديبلوماسية “موازية أو رسمية” من المغرب- لتجتمع في قلب باريس -عاصمة المستعمر القديم- لتلوح بأقمشة الراية المغربية الحمراء التي تتوسطها نجمة خضراء -لمن لا يعرفها-، نكاية في تلك “الأمازيغية المتطرفة” التي أحرقت نسخة من تلك الراية في مكان غير بعيد عن هناك.العملية التي ندد بها حتى أحرار الأمازيغ وكثير من المناضلين الذين يناصرون ما بات يعرف بقضية الريف، وناصرها أيضا ناصر الزفزافي الذي استطاع تهريب تسجيل صوتي من محبسه يشجب فيه عملية الحرق، -والتي لا أعرف بأي صفة شجبها وقد أعلن تنازله عن الجنسية المغربية-، لكن يمكن اعتباره حتى كتابة هذه السطور مواطنا مغربيا باعتبار تخليه عن جنسيته رد فعل على ما تعرض ويتعرض له من جور من طرف سجانيه.
في كل مناسبة وطنية أو دينية أو يوم عالمي ترتفع أصوات النشاز المغربية التي تحاول أن تعطي للعامة “حسب مفهومها هي” دروسا في كل شاذة وفاذة إلا ما يخص قضايا المغرب والأمة الهامة، فلا نكاد نسمع لهم ركزا. ما من شيء أو حدث أو مناسبة إلا وتراهم يختلفون فيها وعليها حتى لنكاد نشتم رائحة تكفير بعضهم لمخالفيهم، ابتداء من الوضوء ونواقضه حتى رقصة سعد المجرد ودعاء الشيخة تراكس قبيل حفلاتها الخليعة وقيامة زلزال أردافها المقدسة في حفلات الهيشك بيشك. وكأن هؤلاء لم يقرؤوا في كتب الفقه إلا باب الاختلاف وفتاوى النشاز والآراء المستعصية على التقبل كفتوى تحريم لحم الخنزير الذكر وليس لحم الخنزيرة “الأنثى”. آراء فقهية أقل ما يمكن القول عنها أنها أصحابها قد تربوا في مراحيض المساجد والجوامع وليس تحت قبابها وحول منابرها، فلا تكاد تسمع لهم رأيا إلا في مخارج البول والغائط،  وفي التناكح والتناسل والتعدد والاغتسال، وجهاد النكاح بشقيه: الناكح والمنكوح.
وكما سبق لي وأنزقلت من قبل، نحن جالية أو مكون اجتماعي -وعن البلجيكيين من أصول مغربية أخص قولي- لا مرجعية لنا ولا فقه  ولا مذهب، ليس دفاعا عن المذهب المالكي الذي ندعي الانتماء إليه كذبا وزورا وجهلا، بل لأن المذهب الفقهي مدرسة يتخرج منها علماء الفتوى العالمين بتطور الإيمان في الشعوب، والأمم فيحسنون مخاطبتهم بما يناسبهم بين حبلي التيسير والتعسير والتشديد والتخفيف، حسب ما نشأت عليه هذه الأمة ووافق ارتباط عاداتها باجتهاد بنيها من العلماء. نحن جالية تائهة بين خطباء ودعاة اليوتوب ودعاة القنوات الفضائية الذين هم في معظمهم ممثلين، يؤدون أدوار العلم والورع ما داموا أمام الكاميرات والأضواء، فإن دقت ساعة انتهاء البرنامج لبسوا سياراتهم الفاخرة ولحقوا بخليلاتهم وما ملكت أيديهم في النوادي الرياضية أو النوادي الليلية أو سهراتهم الحمراء، ليبذروا فيها على شهواتهم أسهم تبرعات جمهورهم المخدوع فيهم المنقاد لاجتهاداتهم السطحية وفتاويهم الرجعية الغبية.
ما يقال عن الوضع الديني البلجيكي الذي أصبح يذر المال على مرتزقته أكثر مما تذره عمالتهم لجهات مشبوهة توظفهم لنشر قيمها الباطلة وقد ظنهم الناس موظفين لدى الدولة المغربية التي تعيش شبه قطيعة رسمية مع جاليتها في الخارج وعلى كل المستويات. ففي المجال الثقافي مثلا وبالرغم من كل ما تحاول ترويجه المؤسسات المتعلقة بشأن الجالية من جهد وعمل ومشاريع وبرامج علمية وثقافية فإنها تبقى مجرد حبر على ورق أو تحول إلى عملة صعبة تقتات حتى على الأفكار التي يطرحها أبناء الجالية وترسو على مكاتبهم. يدبرون استثمارها ناسبينها إليها، فإذا تحولت إلى مال وميزانية، تم إنفاق اليسير منها على أنشطة فارغة المحتوى في حين يحول ما سمن منها إلى حسابات خارج الوطن ودول أوروبية، مثلما ورد على لسان الصحيفة الإسبانية التي أخرجت فضيحة الدكتور عبد الله بوصوف وزوجته نزيهة المنتصر إلى العلن تصريحا لا تلميحا.
ويبقى الخاسر الأول والأخير دائما هو الوطن، الوطن الذي لم يستطع أن يوصل حبه إلى قلوب بنيه في الداخل فأحرى لمن تركه مرغما أو طواعية إلى غيره، ومنح ذريته لأرض وسماء أخرتين رغم الضباب والبرد، لأن الوطن أولا وأخيرا هو حب متبادل، لا يمكن أن يكون من طرف واحد، فإن كان فإنه لا يمكن أن يستمر.
عندما تجد “من يحسبون على أحباب الوطن” يتسابقون فقط على الريع الذي ذهب بإيمانهم به وباب عقولهم ومنطقهم، لا يستطيعون أن يكونوا سفراء حقيقيين له حتى في مناسبة وطنية كعيد المسيرة الخضراء، فلا يستطيعون أن يلهموا طفلا مغربيا مزدادا في أوروبا بأهمية تلك المسيرة تاريخيا واستغلال نتائجها الإيجابية منذ أكثر من أربعين سنة، فلا نستغرب دخول قضية الصحراء المغربية في نفق السياسة الدولية المسدود. وحين نجد مغربيين اثنين  لا يتفقان حتى على وجوب الاحتفال بذكرى ميلاد سيد الخلق فلا نستغرب من تفشي الفكر الوهابي الداعشي بين صفوف الشباب المغربي الذي يرمي بنفسه في أتون حروب لا تخصه لا من قريب ولا من بعيد، فالأقرب إلى الصواب هو خلق روح التضحية فيه وفق الولاء والبراء كما فهمه أسلافنا في المغرب، الذين وقفوا في وجه الامبراطوريات الغازية من وندال ورومان وفرنسيين وإسبان وبرتغال، فإن كان الشباب المغربي مستعدا لبذل ماله ونفسه في سبيل قضية ما فقضية صحرائه ومدينتيه سبتة ومليلية أَوْلى! فلا يمكنه أن يساهم في تحرير فلسطين أو سوريا أو لبنان ومن قبل البوسنة والهرسك والبلقان وأفغانستان، وبندقية الذي يحتل أرضه مصوبة نحو صدره في بلده الأم!!!
فشل المغرب في تأطير بنيه وطنيا ودينيا واستراتيجيا وهوياتيا بصفة عامة، جعل مغاربة العالم في ذيل الأمم المهاجرة إلا من رحم ربك، وجعل مؤسسات الداخل تنظر إليهم باحتقار وازدراء، وأعلى ما يمكن أن يمتطوه هو حافلات تجوب بهم الطرق السيارة الجغربية نحو باريس ليرفعوا أعلامه الحمراء، وفي أنفسهم ليس حب الوطن والعلم، بل صورة السيلفي التي سينشرونها على صفحاتهم على الفايسبوك.
لو كنا جالية تتمتع بمواطنتها حقا، لما سافرنا إلى باريس لتمجيد علمنا الوطني ردا على من أحرقته، بل لهابنا الانفصاليون والمرضى النفسيون ولما تجرؤوا حتى على الاقتراب من العلم الوطني فأحرى أن يحرقوه على مسمع منا ومن العالم.
ضاعت هيبتنا وهيبة بلادنا، فطبيعي أن تصبح ألويتنا تحت الأقدام.

مقالات ذات صلة

اضف رد

You must be logged in to post a comment.