[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

عصابة شيرين وببلاوي (1) – أحمد حضراوي

رواية عصابة شيرين وببلاوي في حلقات

-١-

 

تحمله قدماه المتورمتان في طريقه المعهود، يقطع نصفه بما تبقى له من نفَس، ويلتفّ يمينا عند مكتب البريد، خطوتان ويصل إلى باب العمارة. يخرج منديله من جيبه ويتحسس به جبهته المتصببة عرقا قبل أن يدلف نحو البضع سلالم المتبقية حتى الطابق الذي به شقته، جسمه البدين ينزف ماء مالحا كل مسافة. هو ذاته العنوان الذي يعود إليه مرهقا كل مساء من عمله: الشقة رقم ١٢، شارع السكاكيني بحي الظاهر، القاهرة.

         يصعد ببطء لاهثا يكاد لسانه أن يصبح على صدره كوسام نهاية خدمة حتى باب الشقة، يفتح ترباسه، يدير المقبض، يبتلع تفاحة حنجرته قبل أن يتصنع ابتسامته البلهاء ككل مرة، يقتحم عتمتها وشذا عفونتها. تحس به زوجته فتخرج عنقها من باب المطبخ تتأمله شزرا بعيونها المتفحصة، لا يضع إلا بدلته على الكنبة المتهلهلة وسط الصالون ويطرح من فوقها الجرنال الذي عادة ما يلتقطه من على أحد مقاعد الميترو أو عربية مواصلات، تجر عنقها نحو الخلف كالسلحفاة، وتستمر في تقشير حبة البصل اليتيمة التي جاد بها مطبخها يومها لتزين له بها صحن الفول البائت:

– إنت رجعت يا مدهول؟

– آه، ومن غير ما اقولك، هلكان.

– هلكان! من إيه يا حسرة؟

– من الشغل يا حبيبتي، المشوار من مدينة الإعلام لحد هنا بقى يقرف، زحمة وحرّ ووو…

– شغل! شغل إيه ده وإعلام إيه اللي ما بيأكلوش لا عيش ولا بيدفعو حتى حق المواصلات؟

– هانت.

– على قولك يا خويا، هانت.

– إلا ما قلتلكش..

– في إيه ثاني يا مدهول؟

– النهار ده أنا سجلت مع واد مغربي، طلع متمكن جدا وانا اللي كنت ناوي أتريق عليه لكن النصيب بقى. تصوري من أول خمس دقايق من الحلقة لقيت نفسي في نص هدومي، الواد بيتكلم فصحى كويس قوي، وانا من لخمتي معرفتش أجاريه، فكانت كل أسئلتي ليه بالعامية.

– بالعامية، ما انت شاعر عامية ولاّ لازم أفكرك بيها كل مرة، يعني حتاكل بعقلي حلاوة أنا كمان ولا حتاكل بعقلي حلاوة!

يضحك أحمد الببلاوي:

– آكل حلاوة بعقلك إنتي الزاي بس؟ يا كل الحلاوة انتي يا قشطة يا قمر.

– توهني يا واد توهني، ما انا عارفاك، بُق وبس.

      تحاول أن تكمل ما بيديها لكن تلتفت فجأة إلى زوجها الذي استرخى كذكر البط على الكنبة:

– أنا مش عارفة الزاي الكنبة دي مستحملة جثتك لحد دي الوقتي، كانت المفروض اتدشدشت من زمان!

– من زماااان هههه، ومالك يتقولي بالطريقة دي؟ وأصلا مالك يا ولية النهار ده؟

– مالي، يعني مش عارف مالي يا وش النحس؟

– ما انتي شايفة كل حاجة بعنيك، بحاول اتصرف.

– إتصرف يا خويا وابقى قل لي لما تتصرف.

– إلا تعرفي، أحمد مغربي صحيح لكن ساكن ببلجيكا، وسمعت أن عاصمة بلجيكا إسمها اليورو هههه..

– أحمد مين؟

– أحمد حضراوي الشاعر اللي عملت معاه مقابلة النهار ده، مقابلتين وحياتك مش واحدة بس، مانا لسة قايل لك عليه قبل شوية، ولا هو الزهيمر بقى.

– قلت لي، ومحفظته مليانة؟ زهاميمــ هير.. إيه هو دا؟

– إيه هو اللي إيه؟ آه الزهايمر، لا دي جبنة بلدي زيك جديدة حينزلوها السوق قريب.

– والنبي، إبقى جيب لينا منها شويه، نفسي في الجبنة البلدي والله من زمان!

– يا ولية إنت متخرجة من أيها بيئة جاهلة بس، أنا بكلمك عن الشاعر المغربي، أنا شفت كرمه الزايد معايا، ده بيصرف من غير حساااب.

– دستور يا بيصرف دستور، إلا قل لي هو شكله الواد ده الزاي؟

– آهي الفلاشة عندك في الجاكيت ، إتفرجي عليه وانت تعرفي، يمكن..

تقفز نحو باب المطبخ بابتسامة لئيمة، وتنظر إليه بقسوة:

-آه يمكن يعجبني آه، ليه لا؟ هو ربنا كان اداني رااااجل وانا قلت لأ، الله يجازي اللي معيشني في اللي أنا فيه!

– خلاص يا ولية، إنت ناوية تقلبيها لي مناحة النهار ده ولاّ إيه، إيه مالك بس؟

– ما هو انت مش حاسس بيا.(تقولها بدلع شديد).

– يا ستي إنتي اتفرجي بس على التليفيزيون على بال ماخذ شاور، وبعدين يحلها ألف حلّال.

– شاور الهنا يا سبع البرومبة.

     تعوّد أن يغني في حمامه العفن أغاني شعبولة الفنان المفضل لديه، غير أن صوت شيرين بدأ يتعالى إلى مسمعه متنرنما منتشيا، أخذ منشفة لفها حول كرشه ذي الطيات التسع ودلف نحو صحن الفول قبالة التلفاز. لم يستغرب حين رآها قد خففت من لباسها بل خففت كل لباسها فلم تترك إلا القطعتين الأساسيتين عليها وقميص نوم قصير شفاف أسود حتى الركبتين وهي تتمايل رقصا وتتفرج على التليفيزيون. كان يدرك رمزية هذا اللباس لديها ويدرك حالة زوجته النفسية الملحة حينما ترتديه، ويدرك أيضا حالته الجسدية التي بلغها بسبب داء السكري وضغط الدم الذي يعاني منهما وبلاوي كثيرة غيرها، بسبب إفراطه الكبير في تناول أصناف المخدرات والخمور المضروبة. كان يعلم أن ثمن صبر زوجته عليه وعلى انتهاء صلاحية “فحولته” وعدم طلبها الطلاق لضرر بالغ، هو إرضاؤه لمتطلباتها عبر طرف ثالث يدفع في مقابل ما يفترض أن يلبيه لها هو، الذي يربطه بها ميثاق غليظ وعقد مأذون!

– إنتي مش خايفة حسين ولا إسلام ولا حتى نور الزغنون، ييجوا ويلاقوك على الحال ده؟

– هو يعني عشان أنا خلفت بغلين وجحش أنسى أني أنثى.

– أنثى، (يكرر بعدها الببلاوي بسخرية).

– آه أنثى وغصب عنك، إيه مالي هو فيه حاجة ناقصاني ولا حاجة ناقصاني.

– يا بنت الحلال أنا بأمن لك القعدة بس.

– دول ولادي وانا مربياهم على إيدي أحسن تربية، وعارفين أن مامتهم بتشوف الويل عشان تنغنغهم وتدلعهم. طالعين لي وبيسمعوا الكلام.. شيلاه يا يورو!

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

تعليقا على ما تفضل به الدكتور أحمد الريسوني في مسألة الصحراء الغربية وموريتانيا __ أحمد حضراوي

يمكننا أن نتناول ما أورده الدكتور أحمد الريسوني في شقين: شق يتعلق بالصحراء المغربية المحتلة أجزاء منها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *