[wp_ad_camp_1][wp_ad_camp_1]

الجــمـــــــــــال والشــــعـــر __ د. فـالح الكيـــــلاني

 

الفن جوهرة جمالية إنسانية تنبع روحية هذا الإنسان الآدمي،   ومن نوع محسوس معين إلا إنه لا يدرك بالحس فقط،  ولا بالعقلية فقط إنما بالحدس،  فهو خبرة جمالية، وعواطف ونوازع نفسية،  ولا يمكن فهم حقيقته بمعزل عن إدراك وفهم طبيعة الخبرة الجمالية ذاتها،  وعليه فهو حدس وحس وعقل متفكر وعاطفة فاعلة وخبرة جمالية متحدة بإدراك وصيغ في بوتقة الجمال بطبعه الذاتي.

والشعر جزء لا يتجزأ من الفن، ورافد مهم من روافده، لذا ألهم الشاعر هذا الجمال من خلال نظرته الحساسة في سبر أغوار نفسيته التواقة للانفعال والإحساس،  للسمو والانبثاق في صورته الجمالية، وما تنطوي عليه سبل مدارج الحياة وسبر أغوارها،  وما يترشح منها نبعا ساعيا وفيضا زاخرا على الطبيعة وحدسا راقيا وإلهاما جميلا.

فالشعر جزء من أصل الجمال، وعندما ينتج الشاعر الجمال في شعره يكون قد أتى على حالة فنية،  وإحساس لإنسانية منبعثة من قلب مفعم بالزهو والأمل،  مبتعد عن كل ما شاكل العالم،  وتحقق له توازنا كبيرا بين سعة الحياة بما فيها من مفردات وسموت سالكة، وتجارب حقيقية وقدرات ذاتية،  مما درته الطبيعة من جمال في ذاتها.

فالشعر هو الكلمة الجميلة التي تنمو ضمن مفاصل الحياة،  ومن خلالها لتسجل أعمق بواطنها، وأعلى شوّافيها، فتزهو حالاتها بين كل المتناقضات،  وتجمعها في بوتقة حلم جميل، تصعد إليه النفس وتسمو إليه الروح، حتى في حالة شقائها، فهو إذن يترجم عن حالة نفسية واقعة، كلما كان مساسها شديدا كان أجمل.

لذا يبقى البحث عن إيجاد جمالية الشعر من الأمور الصعبة،  لأن مكمن الجمال في الشعر ليس جزءاً محدداً في ماهيته،  بل في كليته… لأن كل من الجمال ومآله والكينونة الشعرية فيه ربما أمثلهما بمرآة قد تعكس مسار كينونة الآخر الواقع عليها،   ويتبادل به وجود الآخر في سرية تامة،  وحدسية ملهمة فريدة. فإذا قمنا بتحليل قصيدة شعرية – أية قصيدة – وجدنا الصور الشعرية، والحدث الواقع في ظل الصياغة والوزن والقافية، والأخيلة الواسعة، والصور الشعرية الخلابة، وبقدر وجودية هذه الأمور في القصيدة يتمثل أو يظهر جليا سنيا،  وقد نجد عنصر الجمال مخفيا غير ظاهر. فالحقيقة الأبدية والخالدة هي أنه من طبيعة الجوهر أن يختفي، والاختفاء بحد ذاته هو جوهر الجمال، أي أن جوهر الجمال يكمن في سره الخفي كمون الأريج في الزهور، وكلما كان خفيا كان جميلا. وأشبهه أيضا بفتاة جميلة محصنة في بيتها، أو خدرها لم ترها الشمس فتحرقها،  وظهرت فجأة فأبهرت الرائي، وزادت في تشوقه بحيث تمنى لو تبقى مدة أكثر لينعم بجمالها.

وقد عرف الشعر في ذاته أنه تلك القدرة العظيمة التي تنبعث من نفس نما في ذاتها فبان،   ولهذا فإن بعض الشعراء ممن يتمكن من قلب أحوال زمانه،  وله المقدرة في التأثير الكبير من خلال قصيدة واحدة، أو بيت شعري واحد،  من الوصول لهذا التأثير القوي من خلال الإبداع والصياغة الحدسية. لاحظ قول الشاعر :

أأنـتَ عَبـيـــرُ الــوَردِ أ م أنـت عا شـــــــقُ

أرَثَيـــتَ لِحالــي أ م بِـحُـبـِـــكَ و ا ثـِـــــقُ

**

وَكُـنـّــــا لِـعُـنــــوانِ المَـــــوَدّ ةِ لَـحـنُهــــا تسامى فُـؤادي فـي المَـــواجِـدِ رائــــــقُ

تـأ تـي إلى قُــربي وَشــــــوقُـكَ طافـــحٌ

مـا الشّـــــو قُ إ لا مـــا دَعَـتـهُ العَــلائِــــقُ

وعَـــلامَ تُـزيـــدُ الصّــدَ وَالوَجـــــدُ قاتـِـلي

كَـــم عـاشِـــقٍ ضــاقَـت عَـلَيـهِ دَقـا ئِــــقُ

أروي وُرود ي مِن بِـحــا رِ مَـد ا مِـــــعي

فَـتَـسـمـو زُهـــورا . وا لأ ريـجِ شَـــقا ئِـــقُ

 

وعليه فما يقف وراء تعبير الشاعر دائماً في رحلة الإبداع، هو إمكانية التاثير وشدته .. وتعتبر المتعة الجمالية وسيلة الشعر في الوصول إلى الغاية المرجوة. فجمال القصيدة في غاية الشعر وطموحه إلى غاية الجمال هو إحدى  مسببات تكوين هذا الجمال في الوجود،  ولهذا فإن هذه المسببات قد تعد من وسائل غرس الجمال الكبرى في الصورة الشعرية للقصيدة.

وقد أوجد المجتمع البشري الوسيلة الشعرية نزوعا لدوافع الحاجة الملحة في سبيل التلذذ النفسي،  فقد ولدها أمران مهمان يعودان بالأساس إلى طبيعة النفس الإنسانية،  وهما المحاكاة والتذوق،  فالمحاكاة أمر فطري موجود لدى الناس منذ الصغر، والتذوق أو الالتذاذ بالأشياء أمر عام للجميع وهدف أسمى تصبو إليه الارواح.

إن الحالة الجمالية التي أوجدها المجتمع الإنساني،  والتي تعتبر بحد ذاتها متعة جمالية، تهدف لإيجاد أمور كثيرة تعتبر كأدوات فنية عالية الجودة، ومتجددة وبأساليب جمالية أشبه بتجليات نفسية في جوهر الفكر. والرسالة التي تعد في إيجادها أو الوصول إليها.

لذا فإن الجوهر الموجود في جسدية أو بنية الفن عامة والشعر خاصة، والذي يعتبر جزءا من الفن، له قدرة استثنائية على التلاؤم مع الجمال والاندماج به،  وهذا الجوهر يعمل بطريقة سحرية عجيبة يشد المتلقي شدا وبطريقة طردية،  بحيث تكون وظيفته تقديم المتعة النفسية للشاعر والمتلقي في نفس الوقت، وهذه المتعة تعتبر لدى الآخرين هي المنفعة الإنسانية.

وعليه فإن الشعر يمكنه من امتلاك ما يراه حقيقة أو وهما في التعبير الأدبي والنفسي، ويزاوج بينهما في خفاء واضح،  ويكون الكشف عن الجمال عبر هذا التبادل والتزاوج،  بحيث يشف عنه أو يكشف عن كل منهما بمحاولة إخفاء الآخر، وهذا هو سر المتعة في الشعر. فإذا كان الشعر ترنيمة غنائية صادقة قد تولدت من الشعور المبدع، فتأتي هذه القصيدة ناشئة عما في نفسية الشاعر وتعبر عما في خوالجه. فهي تمثل صورة من صور الاستقرار النفسي الذي يحسه أو يشعره بجماليته.

إن المسيرة الشعرية القادرة في مواجهة الحياة قد لا تصل إلى لحظة انتصار، بل هي على الأغلب لحظة انحسار،  قد تعيش بالانبعاث، وربما الشاعر يدرك بحساسية مرهفة أنه يواجه حياة لا تكشف عن وجهها مرة واحدة. فوظيفة الشعر تتمركز في الانتصار الأفضل هي مرحلة دائمة في سبيل الوصول للغرض المنشود،  لذلك فهي تمثل حالة الغليان الداخلي في أعماق الشاعر دائماً ونفسيته، حتى لو ظهرت عليه ملامح السكينة وعلى بعض قصائده مسحة الشعر المنبعث من أعماق نفس وقلب شاعر ما.

فالشعر يثبت قدراته الأدائية في استكشاف حالة الإنسان، ويربط إيحاءاته بها ربطاً شموليّاً، بحيث يتمكن- في الأغلب – عزل نفسه عن المكان والزمان المقال فيه،  وربما يكون شموليا فيبقى خالدا وهذا سر من أسرار جماليته وخلودها. فقد يرى مسرة الإنسان وفرحته وانسياقه نحو التفاؤل سرا دائما في النفس البشرية، وقد يرى في عذاب أو تعاسة إنسان في موقع معين هو عذاب للإنسانية كلها،   لذا فإن حالة الموت مثلا لدى الشاعر تغدو موتاً وحالة إنسانية شاملة،  ليست شخصية ومعاناة ومعضلة تكتنف الحياة في كل مكان، لا حياة شخص بعينه.

.

ومثل هذا التوجه الشمولي هو الذي يمس أعمق أعماق النفس البشرية منطلقة من الخاص إلى العام، من دائرة فقدان ضيقة بموت واحد من ملايين البشر إلى المصير الذي ينتظر هذه الملايين البشرية كلها. ولهذا فإن الشعر يعتبر من أهم أركان الفنون الهادفة في خلاص البشرية،  واستكشاف حالها ومآلها،   وسبل ارتقائها إلى مواقع جديدة خارج دائرة الألم والعذاب،  بما يمتلكه هذا الفن العظيم من رؤية وقوى حدسية تنبئه بنتيجة المعاناة التي تبعث فيه قوة التشبث بالحياة والأمل من داخل المعاناة النفسية وليس فوقها أو خارجها.

إن معظم مفكري الجمال يميلون إلى القول بأن عمل الفنان هو وحده الذي يسمح بفهم الإنسان الحقيقي،   فنفس الشاعر المتلهفة على حب المصير الإنساني بإحساساتها الإنسانية الواسعة حتما تمكنه من ترجمتها إلى جمالية طاغية مثقلة حانية على الناس والأشياء والعالم.

وأستطيع أن أقول إن الشاعر يستكشف من الطبيعة ما لا تراه عين الإنسان العادية،  وهو في رؤيته هذه يفجر الضوء لينير ظلمة الحقيقة في النفس،   وينزع عنها كل أقنعتها القاتمة،  ويزرع فيها السناء والأمل،  وهذا الشاعر ربما قد يضع نفسه في مواجهة نفوس إنسانية مختلفة، ربما يكون بعضها متعبة وبعضها معذَّبة والأخرى متألقة نحو السمو والارتقاء.

لذا فالشاعر ليس مجرد إنسان يحيا لذاته ويعمل من أجل إشباع رغابته وحدسه الشعري. بل هو إنسان ذو رسالة معينة، ويشعر أنه ينطق باسم قوة عليا قاهرة قد تعلو على شخصيته،   وتنفعل معها، وتلهمه أفضل ما عنده من إبداع،  ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الكثير من الشعراء يشعرون بأن لهم حياة أخرى تتعدى وجودهم الزماني والمكاني والذاتي، وهذه الحالة لها الحق أن تصدق بقوة أن الجمال الذي لا يقف عند حد نزع الكره والبغضاء،   واستئصال كل ما يشوه جمال وجه البشرية الجميل. وإنه لينهض بالنفوس ويدفعها نحو حياتها واستقرارها.

والجمال الشعري يقدم أو يثبت صلات لكل ما هو موجود من أمور، ربما تراها نفس وعين الشاعر وحده،   فيكون شعره صوت الحياة الصافية وسرها، بحيث تكون لها القدرة على التقاط أو بعث اهتزازاته الكامنة في أعماقه،  وهذه الاهتزازات إنما هي رعشة لخفقات قلبية أو نفسية تصل إلى مسامع صاغية ونفوس متلهفة وأفئدة متشوقة لتصل إلى جوهر الحياة، فيكون الشاعر قد اشترى فيها حريته الأبدية،   وما تسمو إليه نفسه الأبية من قيم عليا،  طالما ظل يمني نفسه في الوصول إليها،  فيفرّغ شحناته الشعرية المنبثقة من نزعات نفسه فيها. في جمالية شعرية رائعة يقول الشاعر :

الشعبُ يصدحُ صوتُهُ متَعاليــــا

متدفقاً نحو َ العلاء ِ فيصْعـَدُ :

قسماً بذات ِ اللهِ انّي لثائِرٌ

على كلِّ ظلم ٍ في البلادِ سَيوجَدُ

الشعبُ مَصْدرُ قوّة ٍ لا ينـثَني

شرف ُ البطولة ِ والرجولةِ سَيّدُ

كالشمس ِ يشرقُ نورُهُ بسَمائِهِ

فبهاؤه ُ وصَفاؤهُ ـيتوحــــد

 

ومن هذا كله تتضح حقيقة واحدة هي إن الشعر في جوهره خبرة إنسانية من نوع معين، وموهبة كامنة في النفس،  بل هي خبرة جمالية عالية الحدس، وقد تفهم هذه الحقيقة العظيمة من خلال فهم أسس طبيعة الجمال ومساراته، وطموح نفس الشاعر للوصول إليه والالتصاق به، بحيث تبقى نفسيته متعانقة معه في نتاجه الشعري،  وتكون جزءا من كل معاناته وما يعتمل في نفسه،  فينهمر شعره خالصا جميلا سائغا للشاربين.

 

 

عن نصر سيوب

شاهد أيضاً

الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تضع شرطا خاصّاً للمشاركة في كأس إفريقيا للاعبين المحليين بالجزائر

  اشترطت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم شرطا خاصّاً للمشاركة في كأس إفريقيا للاعبين المحليين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *